ابن حزم

15

رسائل ابن حزم الأندلسي

ومن أهم أسباب الخلاف في التصحيف في أسماء الرواة ( 1 ) ، وقلب النسب ، أو الاختصار فيه أو سقوط بعض أجزائه ( 2 ) أو التشابه في الاسم والنسب معاً ( 3 ) ؛ وعن هذه الطرق يدخل الوهم وتتباين الأحكام ويتسع مجال الاختلاف . ومهما يكن سبب ما عد على ابن حزم من أخطاء ، فإن ما يهمنا هنا هو المنهج الذي أمده به علم الحديث ، وهو منهج يتحرى الدقة ويتشدد في محاكمة السند ، وربما لم يحتج ابن حزم إلى كل ذلك في موقفه من الروايات التاريخية ، ولكن روح المنهج الحديثي تلبست به ووجهت فكره ، وسني أثرها لديه فيما يلي عند الحديث عن أحكامه التاريخية . ولو انفرد هذا المنهج في أثره لكان ابن حزم - في الأرجح - سلبي الموقف من التاريخ والروايات التاريخية ، إذ لا يمكن أن يصل التحري هنا إلى ما يصل إليه في علم الحديث ، ولكن ذلك المنهج توازى مع مؤثر آخر ، هو تفتح فكره على الدراسات الفلسفية والمنطقية ، فهذه الدراسات هي التي مهدت لديه تحكيم العقل في الرواية نفسها لا في رواتها ، ورفضها على أساس عقلي ، كما وسعت لديه الآفاق التي يستطيع أن يرودها بفكره ، بحيث يتجاوز موقفه الظاهري الذي يحرص عليه في باب التشريع ؛ وقد لحظ بعض الأقدمين هذه الازدواجية لديه فقال ابن كثير : " والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً في الفروع لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره ، . . . . وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق . . . " ( 4 ) ؛ وهذا الذي

--> ( 1 ) تصحف جميل بن كريب لدى ابن حزم فأصبح جميل بن جرير ( لسان الميزان 2 : 135 ) وحبة بن مسلم فأصبح حبة بن سهل ( 2 : 166 : 167 ) . ( 2 ) الأمثلة في ذلك كثيرة ؛ فقد ذكر ابن حزم : نصر بن عاصم الأنطاكي وصحح له حديثاً في المحلى ؛ والاسم خطأ وصوابه عبد الله بن نصر الأصم ؛ فسقط عبد الله من النسب وصحف الأصم بعاصم ( لسان الميزان 6 : 155 ) . ( 3 ) مثال ذلك عبد الله بن عمرو بن لويم ، قال ابن حزم فيه : مجهول ، وعده غيره في الصحابة ، فقال ابن حجر معلقاً : " ثم ظهر لي أن ابن حزم ما عنى هذا وإنما عنى آخر يوافقه في الاسم والأب والجد " ( لسان الميزان 3 : 321 ) . ( 4 ) البداية والنهاية 12 : 92 ومما لا ريب فيه أن ابن كثير كان معجباً بابن حزم حتى أنه رأى الشيخ محيي الدين النواوي في المنام ( ليلة الاثنين 22 محرم 763 ) فسأله : يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب شيئاً من مصنفات ابن حزم فقال ما معناه إنه لا يحبه ، فقال ابن كثير : أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه ، أما هو في الفروع فظاهري جامد لابس وفي الأصول تول مائع قرمطة القرامطة وهرمس الهرامسة . . . . قال ابن كثير : ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النجيل بل هي أردأ شكلاً منه لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي ، فقلت له : هذه أرض ابن حزم التي زرعها ؛ قلت : فانظر إلى دلالة هذا المنام ما أعمقها : ابن كثير حزين في دخلة نفسه لأن الشيخ لم يقتبس من مصنفاته ولكنه بقوة العامل الخارجي مدفوع إلى إنكاره وهو يكرر في المنام رأياً جهر به في اليقظة ، ثم يرى ما زرعه ابن حزم خضرة تسر النظر لكنه مدفوع إلى إنكارها لأن أرضها لا تستغل ( حتى النواوي لم يستغلها ) .